الكتاب هو مسرحية بعنوان "مأساة أوديب"، من تأليف الأديب الكبير علي أحمد باكثير, في هذا العمل، يعيد باكثير صياغة الأسطورة اليونانية الشهيرة "أوديب" برؤية إيمانية وفلسفية تختلف عن الأصل اليوناني، حيث يركز على الصراع بين النبوءة والإرادة، وبين الحق والباطل, و يفتتح باكثير المسرحية بآيات من القرآن الكريم تحذر من اتباع "خطوات الشيطان" وقول ما لا نعلم على الله، مما يعكس رغبته في تقديم "تفسير إيماني" للأسطورة بدلاً من فكرة "القدر المحتوم" العبثية التي سادت في النسخ اليونانية القديمة, و يضع باكثير عبارة على لسان أوديب تقول: "أنا الماضي يا ترزياس فلأخل الطريق للمستقبل، وأنا اليأس يا ترزياس فلأمشِ ليجيء الأمل"، وهي عبارة تلخص جوهر التغيير الذي أجراه باكثير؛ حيث جعل من مأساة أوديب بوابة للأمل والتحرر من الأوهام, و تضم المسرحية الشخصيات التقليدية للأسطورة لكن بأبعاد نفسية وفكرية جديدة: أوديب: ملك طيبة، الذي يحاول اكتشاف الحقيقة وتخليص شعبه من الوباء, و جو كاستا: ملكة طيبة (زوجة أوديب وأمه في الأسطورة), و ترزياس: الكاهن المصلح، ويمثل في رؤية باكثير صوت الحكمة والحق,و لوكسياس ومنساس: يمثلان سدنة المعبد والمتمسكين بالأوهام والتقاليد القديمة, و كريون: أخو الملكة, و أبناء أوديب: (أنتيجون، أيسمين، بولينيس، وأتيوكل), و بدلاً من تصوير أوديب كضحية لقدر أعمى، يصور باكثير المأساة كصراع بين "الحقيقة" و"الوهم"، وبين التوحيد والوثنية, و يهدف باكثير من خلال هذا العمل إلى تحرير العقل البشري من الخرافات، وتأكيد أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن الشيطان (أو الهوى) هو الذي يزين له السوء, و تمتاز نهاية باكثير بكونها نهاية "تطهيرية" تفتح باب التوبة والأمل، بدلاً من اليأس المطلق, و برع باكثير في الحفاظ على الهيكل الدرامي المثير للأسطورة مع ضخ قيم عربية وإسلامية في ثنايا الحوار, و تمتاز المسرحية بلغة شاعرية رصينة وفلسفية عميقة، تعكس قدرة باكثير على الجمع بين الفن المسرحي العالمي والهوية الثقافية العربية, مسرحية "مأساة أوديب" لباكثير هي محاولة أدبية رائدة لـ "تعريب وتبيئة" التراث العالمي، حيث نجح في تحويل قصة أوديب من مأساة وثنية تتصادم مع القدر إلى دراما إنسانية تبحث عن الحقيقة والعدل الإلهي، وهي تعتبر من أعظم ما كُتب في المسرح الذهني العربي.
يرجى تسجيل الدخول لإضافة مراجعة.