يعد ديوان "حوارية طائر الرماد" محطة شعرية هامة في مسيرة الشاعر الدكتور جنيد محمد الجنيد، حيث صدرت طبعته الأولى في عام 2003م ضمن إصدارات الهيئة العامة للكتاب بصنعاء. طائر الرماد يشير العنوان إلى رمزية "الفينيق" أو طائر العنقاء الذي يبعث من رماده، وهي دلالة على الانبعاث، التجدد، والقدرة على النهوض من وسط الركام والوجع, الحوارية يوحي العنوان بأن القصائد ليست مجرد بوح أحادي، بل هي حوار وجودي بين الشاعر وبين ذاته، المكان، والوطن. و تبرز في الديوان مسألة "البلاد" الموزعة بين رحلتين، حيث يقول في استهلاله: "تمر البلاد على رحلتين.. شتاءً وصيفاً.. وتنصب أشواقها في شتاء الشمال وصيف الجنوب". يعكس هذا النص وجع الجغرافيا والحنين الدائم للوئام, و يفتتح الديوان بنص "امرأة لك وأخرى عليك"، حيث تتماهى صورة المرأة مع صورة الأرض والمدينة، وتصبح الضفيرة مخبأً للأسرار والوردة تهيئة لصباح الأغاني, و تهيمن على بعض النصوص نبرة التأمل في الطريق، العبور، والانتظار، مما يعطي الديوان صبغة وجدانية وفلسفية حول رحلة الإنسان في الحياة. ويواصل الشاعر في هذا العمل اعتماده على شعر التفعيلة، متمسكاً بالوحدة العضوية للقصيدة وبناء الصورة الشعرية المركبة, و يمتاز أسلوب الجنيد في هذا الديوان بالرقة والعذوبة، والابتعاد عن الخطابية المباشرة، معتمداً على لغة هامسة قريبة من الروح (مثل قوله: "أما كان أن تستريح على جهة تطلق الروح"), و تميز غلاف الديوان بلوحة وتصميم للفنان التشكيلي المعروف حكيم العاقل، مما أضاف بعداً بصرياً جمالياً ينسجم مع أجواء الحداثة في النصوص. ويمثل الديوان مرحلة "النضج الشعري" لدى الجنيد، حيث تبلورت فيه أدواته الفنية وتعمقت رؤيته للقضايا الوطنية والإنسانية, و يُعتبر العمل إضافة للمكتبة الشعرية اليمنية المعاصرة، كونه يقدم رؤية أدبية تجمع بين عبق التراث الشعري (في الوزن والإيقاع) وبين حداثة الطرح والرؤية (في الصورة والرمز)، "حوارية طائر الرماد" هو ديوان يبحث في ثنايا الروح والوطن عن أمل جديد، ويحاول صياغة حلم الانبعاث من خلال لغة شعرية رفيعة تمزج بين الوجع والتفاؤل.
يرجى تسجيل الدخول لإضافة مراجعة.